ابن عبد البر

259

الدرر في اختصار المغازي والسير

المتخلفون ، فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه . وجئت فسلّمت عليه فتبسّم تبسّم المغضب ، وقال لي : ما خلّفك ؟ ألم أكن ابتعت ظهرك « 1 » ؟ فقلت : واللّه يا رسول اللّه لو جلست بين يدي غيرك لرجوت أن أقيم عنده عذرى لأنى أعطيت جدلا « 2 » ولكني / قد علمت أنى إن كذبتك اليوم أطلعك اللّه عليه « 3 » غدا ، ففضحت نفسي . فو اللّه ما كان لي عذر في التخلف عنك ، وما كنت قط أقوى منى حين تخلفت عنك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما هذا فقد صدقكم ، فقم حتى يقضى اللّه فيك ، فقمت ومعي رجال من قومي : بنى سلمة يقولون : ما علمناك أتيت قط غير هذا الذنب ، أفلا اعتذرت إليه فيسعك ما وسع المتخلفين ؟ وكان يكفيك استغفار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى هممت أن أنصرف إلى رسول اللّه فأكذب نفسي ثم قلت : هل لقى مثل هذا أحد غيرى ؟ قالوا : [ نعم ] « 4 » رجلان قالا مثل مقالك ، وقيل لهما مثل ما قيل لك ، قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفي . فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة ، فصمت حين ذكروهما لي . ونهى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة خاصة « 5 » ، فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا ، حتى تنكرت لي نفسي والأرض التي أنا فيها . فأما صاحباي فقعدا في بيوتهما ، وأما أنا فكنت أخرج ، فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق لا يكلّمنى أحد ، وآتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلّم عليه ولا أسمعه يردّ علىّ ، فأقول : ليت شعري هل ردّ في نفسه . وكنت / أصلّي قريبا منه ، وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلىّ ، فإذا التفتّ نحوه أعرض عنى . حتى إذا طال ذلك علىّ من جفوة المسلمين مشيت حتى تسوّرت « 6 » جدار ( حائط ) أبى قتادة ، وهو ابن عمى وأحبّ الناس إلىّ ، فسلّمت عليه ، فو اللّه ما زاد « 7 » على السلام ، فقلت : يا أبا قتادة نشدتك اللّه

--> ( 1 ) الظهر : الدابة . وفي البخاري : ألم تكن قد ابتعت ظهرك . ( 2 ) جدلا : فصاحة ولسنا وقوة حجة . ( 3 ) عليه : أي على الكذب ( 4 ) زيادة من ابن هشام وصحيح البخاري . ( 5 ) خاصة : أي من المتخلفين . ( 6 ) تسورت : علوت ( 7 ) في صحيح البخاري : مارد .